“صناعة الأبواق” الإصلاح وفن المزيد من الأعداء..!

يتربى مراهقي وشباب التجمع اليمني للإصلاح (الأخوان المسلمون) على أصوليات حاكها المؤسس الأول لتنظيمهم الهرمي حسن البنا، المنظر والمؤسس الذي إرتكز في تنظيمه على صناعة الجسد البشري القابل للحقن بالأفكار والمعتقدات المطلقة، المعتقدات المكبلة للفرد ضمن سلسلة بشرية طويلة أشبه ما تكون بسلسلة العبيد بينما يجرها شخص واحد من مقدمتها، وهكذا، وبعد أن صار الجسد مهيئًا بكامل تفكيره وخيالاته، حقنه بأصولياته العشرين ورسائلة العشر المترابطة، جاعلًا من منظومته بأكملها كائنات على هيئة خوارزمية قابلة لكل حقن طالما وهو من القادة المعينون في رأس التشكيل الهرمي. القيادات التي تعنى بتوجيه القاعدة وفق تعميماتها الدورية والعاجلة والخاضعة لإرادتها الخالصة، ومع مرور السنوات وتزايد الأفراد الأليين بالتفكير الخاضع، تحولت الجماعة الى سجن بشري كبير يضم في طياته مئات الألاف من السجناء الفكريين، سجناء لا يعرفون ماهي الحرية، ولا قيمة النسبية في الأراء والأحكام والقناعات، الشباب في هذا المعتقل الفكري يستحقون الرثاء والشفقة المكررة مع تلاحق الإستغلال الممهنج لإرتباطهم الوثيق بإعتقال أنفسهم بأيديهم، هؤلاء بالفعل عاشوا ويعيشون في الظلام، وينزعجون جدًا من فكرة النور والأفكار المضيئة، ومن ناحية غريبة جدًا، ومع تلاحق الأحداث والهزائم والمتغيرات المؤثرة في كل ما له عقل أو شعور، ستجدهم مستمرون في أقبيتهم المتوارية وسراديبهم الضيقة بينما يظنون الطريق الوحيد الى الدين والفضيلة لا يكون الاّ في الأماكن المغلقة والسراديب المظلمة، وبحسب ثروت الخرباوي أحد رموزهم المغادرين من الظلام يقول: من عاش في العتمة زمنًا طويلًا يفاجئه النور فيغُشي بصره للحظات، ويصعب على حدقتيه إستيعاب الضياء من بعده، حينها قد تنكر العين الضوء وتستنكره، وما أصعب أن تستنكر الضوء والحقيقة وتبطل صوابيتها بقناعاتك..! هؤلاء المنغلقون تمامًا يكرهون الأحرار ويحبون العبيد، لذلك لم يرتفع شأن أحد منهم الاّ وفق إرادة القيادة التي تجعل كائناتها الألية ترتفع بمن تختاره لها..!

أما يمنيًا، فقد صار كيانهم المليء بالمصفقين المحقونين بالطاعة المطلقة أفرادًا منظمين في السوشيال ميديا، يرفعون من يؤمرون برفعه، ويهاجمون من يؤمرون بمهاجمته، وينظروّن لمشاريعهم وقاداتهم، ويتفاعلون مع من يلقي عليهم مواعظ التعميمات المغلفة بالثقافة والإندماج، وأكثرهم ذكاءًا ذهبوا للتلبس برداءات أخرى، للفت الإنتباه عن حقيقة الظلام في نفوسهم، بعضهم تلبسوا برداء اليسار، وبعضهم برداء الحداثة، وأخرين بالنهود البارزة، والبقية بمفردات الثقافة والتطور، لكنهم لا يلبثون كثيرًا في السكوت أذا مُست ألهتهم بالتعييب والتحقير، وبالطبع وفق تعميمات مسبقة للحديث وإثارة الرأي العام. الكثير من هؤلاء تجنبوا دائمًا الظهور بأفكار التنظيم الراديكالية أمام جمهورهم تجنبًا للوقوع في تناقض الفكر والإدعاء، لكنهم يقعون في بعض أفكارهم المتوارية خلف أحاديثهم النرجسية، الأحاديث المهاجمة لقيادات أوجعتهم مسبقًا كـ ياسين والحمدي، وهي ذاتها قناعات التعرض لقيادات عارضها تنظيمهم كليًا كـ صالح والإرياني، ومن سار في ركابهم، هؤلاء لا يتوانون في إبراز وجوههم التي يخجلون من إظهارها أو الإعتراف بإنتماءها أمام جمهورهم، لكنها تأتي في كل مرة للنيل ممن أوجع تنظيمهم المظلم قديمًا وحديثًا..

لكم هي مأساة عميقة أن يكون قرارك وفكرك وإرادتك مرهونًا عند آخرين يملكون إرغامك علي الصمت، وإرغامك على الكلام.. بئس العبودية التي جعلت بعضهم مسوخًا تكره الجميع، وتخفي عداوتها للجميع من حولها، تنظيمات لا تأمن أي طرف أخر خارج تنظيمها، ولا تعجب بأي شخص خارج كيانها، وهنا تكمن مشكلتهم الحقيقية، فهم لا يريدون سوى أنفسهم وكلامهم وأفكارهم، ولا شيء غير مشروعهم وقياداتهم، ولا يقبلون أبدًا المتمردين في صفوفهم، هم يرونهم خائنون بالضرورة، وبقية الأشخاص والتيارات والأحزاب في هذا العالم لا يعجبونهم أو يثيرون تساؤلاتهم عن صوابيتهم بالمطلق، هم عنصريون لا يقبلون أحدًا من خارج تنظيمهم المقرب، أو ما يطلق عليه تنظيم الداخل، المحقونون بالطاعة المطلقة، بينما حلفاؤهم وجمهورهم السطحي والعوام من أقرباءهم وممن ينطوون في لحافهم وسوادهم يمثلون تنظيم الخارج في كيانهم، وهؤلاء بمثابة الغرباء غير المأمونون، بمثابة اللآمنتمي لمركز التنظيم لكنهم سواد الفكر المتحرك وفق الإرادة الرأسية للتنظيم..

الأحقية العنصرية والمنغلقة على ذاتها في شكلها السياسي بهذه التنظيمات وأبواقها لا تكاد تتجاوز المعنى النرجسي المتعلق بالجوانب النفسية للقضايا المثارة، إنها سمة عنصرية تحتكر التقدير والإعتبار والإفتتان في الذات من خلال توظيف نزوة الحب داخليًا، مما لا يترك شيئًا للأخرين، أو يبقي أقل القليل لمن هم خارجها، هذه الطوائف والعنصريات أو الجماعات والكيانات لا تسمح لأي شخص بتجاوزها، أو العبور على ظهرها، إنها تكتفي بذاتها في كل الإعتبارات والمناسبات، تدور حول كيانها وذاتها بنوع من الإفتتان النرجسي حتى الغرق، تغتر وتعجب بحالها وأحقيتها تماماً كـ “نرسيس” في الأسطورة اليونانية، إفتتن بصورته وجماله على الماء، وغرق فيه بالنهاية، ومع مرور الزمن، يزداد ميولها لإبتلاع الحيز المكاني للأخرين كلما تضخمت.. وهذا بالمقابل يعني تضخم عنصريات مناوءة لها، عنصريات تسيطر على قطعة جغرافية وهوية خاصة وولاءات محصورة، مثلها تمامًا، وهكذا يتحول الوطن الواحد الى مجرد وعاء شكلي معرض لشتى الأخطار الداخلية والخارجية، ذلك أن قوة الوطن ومنعته الحقيقبة تتوقفان على درجة إنصهار مختلف شرائحه وفئاته ضمن كيانه الذي يتجاوز كلاً من تنظيمات الحقن المسبق بالولاء.. وطن الفسيفساء، الوطن الذي تكون العصبية فيه هي الأقوى، وطن العصبيات والجماعات المتوازية في القوة، وطن الأبواق المأجورة والرخيصة..!

ماجد زايد.